نشر يوم: السبت, 2016-07-02 الساعة 10:55 صباحًا

لبنان في ثلاجة الإنتظار على وقع تداعيات الأزمة في سوريا.. سنوات عجاف ورهانات متناقضة غيّبت الرئاسة الأولى

 

 

1280x960 (1)

قصر بعبدا

 

إبرهيم صالح – الحقيقة

مجلة الحقيقة الشهرية 1 آذار 2016 عدد رقم 116

لبنان بلا رئيس للجمهورية منذ عشرين شهرا. حالة غير مسبوقة من نوعها في التاريخ السياسي لهذا البلد، ولكنها تدرج في خانة البديهي، ما دام فتيل الأزمة مشتعلاً في البلد المجاور سوريا.

لم يعد مفاجئا أن يكون المشهد السياسي والامني والاقتصادي على مسرح الساحة اللبنانية، قد صار مرتبطاً ارتباطا وثيقا يستحيل الفكاك منه، بمآل التطورات في الساحة السورية.

بعد مضي أشهر على اندلاع الحوادث الأمنية في سوريا، برز في الطبقة السياسية في بيروت من يرفع شعار “النأي بالنفس” عن هذه الأزمة، وعبر عن ذلك بوثيقة أطلق عليها “اعلان بعبدا” وقعت عليها المكونات السياسية اللبنانية. ولكن سرعان ما ابتعدت هذه المكونات، وكل على طريقته ووفق حساباته، عن مندرجات هذه الوثيقة وعن مضامينها، لتمسي لاحقاً مجرد شعار يرفع، خصوصا في كل محطة أو مناسبة سياسية يظهر فيها الرئيس السابق ميشال سليمان،  ليحافظ على حضوره السياسي، من باب أن هذه الوثيقة إنجاز تاريخي يعتدّ به، وتصلح لكل زمان ومكان، ومن شأنها أن تقي الساحة اللبنانية من لفح نار الصراعات في سوريا وفي سائر الاقطار العربية الملتهبة.

إنها إذاً محاولة يائسة وبائسة من محاولات بدأت، لفرض أمر واقع على كل الأطراف المعنية، بغية إبعاد الساحة اللبنانية عن تداعيات الأزمة في سوريا، وبالتالي إضطر لبنان مدى خمسة أعوام متتالية، الى  أن يعيش وهج نيران هذه الأزمة، وأن يصير جزءاً منها، ويتعايش مع ذيولها وتأثيراتها المتدحرجة، الى  درجة أن بعض المحللين يجرؤ على القول أن هذه الأعوام العجاف بالنسبة الى لبنان، كانت مرحلة تعايش وتساكن مع الأزمة السورية سلباً وإيجابا، وبالتالي يصير استنتاج أن صفحة الرئاسة الأولى الشاغرة في قصر بعبدا، تنطوي أو تبدأ مرحلة البحث الجدي والحاسم عن ملئها، عندما تترسخ أكثر فأكثر معالم التسوية السياسية لهذه الأزمة التي وضعت على سكة حقيقية، بعد قراري مجلس الأمن الأخيرين المتعلقين بها، وعلى هذا ستنجلي الصورة المستقبلية للساحة اللبنانية.

ولذا، ثمة من يشير الى اقتناع ضمني عند النخب السياسية اللبنانية ولا سيما منها تلك الحاكمة، بأن لبنان محكوم بأن يظل على قائمة انتظار جلاء صورة الوضع في سوريا خصوصاً والمنطقة عموماً، وأنه قاصر عن أي فعل للخروج عن مسار هذه الدوامة أو التحرر من وطأتها الثقيلة عليه.

الذين قيّض لهم أن يرصدوا مسار تداعيات الأزمة السورية على لبنان، منذ التهاب فتيلها عام 2011 حتى اليوم، خرجوا باستنتاج فحواه أن هناك ثلاث مراحل كان لكل منها حسابات ورهانات وحتى سلوكيات على كل طرف من أطراف محوري النزاع والصراع اللذين يتشاطران اللعبة السياسية في لبنان، أي الفريقين المعروفين بفريقي 8 و14 آذار:

–  المرحلة الاولى، كانت بعد السنة الأولى من اشتعال فتيل الأحداث في سوريا، وبالتالي انفتاح أبواب المواجهات العسكرية بين السلطة في دمشق والمجموعات المتمردة على اختلاف مشاربها وأهدافها، ولاسيما منها  تلك التي ما لبثت أن امتشقت السلاح، ووضعت الحراب على جداول أعمالها، ورفعت شعار إسقاط النظام بقوة السلاح.

فمع التقدم الميداني السريع الذي أحرزته هذه المجموعات على حساب القوى الشرعية، وبروز مظاهر ضعف ووهن في بنية النظام، تعاظمت معنويات قوى 14 آذار وكبرت رهاناتها، إنطلاقا من مقولة أن تداعي أركان النظام في دمشق سيُفقد الفريق الخصم – أي 8 آذار –  سنداً قوياً، ما سيجعله يتراجع الى خانة الضعف الداخلي، ويفرض عليه إعادة حساباته وتقديم تنازلات، أو التنازل عن كثير من سقف شروطه للمشاركة في السلطة السياسية.

وبمعنى آخر، عاش هذا الفريق طويلا على رهانات داخلية ذهبية بالنسبة إليه، من شأنها أن تسمح  له بالعودة المضمونة الى رئاسة الحكومة بشروطه. وكان من البديهي أن تتقدم هذه الرهانات مع كل انحسار لنفوذ النظام في سوريا ولقواه العسكرية، مما جعل زعيم هذا الفريق الرئيس سعد الحريري، يرهن عودته من منفاه القسري في الخارج الى بيروت، بالمرور عبر مطار دمشق في ظل عهد جديد!

وفي موازاة هذا الرهان، كان ثمة موالين لفريق 14 آذار وخصوم للنظام السوري، يندفعون أكثر فأكثر لرفد المجموعات السورية المعارضة، وتحديدا على الحدود الشمالية اللبنانية – السورية، وعبر جزء من حدود البقاع مع الداخل السوري.

وهكذا ظهر في الضوء إسم بلدة عرسال التي تحولت قاعدة قوية خلفية للمعارضة السورية، ترفدها بالسلاح والعناصر وتؤمن لها المشفى للجرحى والدعم اللوجيستي.

كذلك برز إسم طرابلس التي انفجر في قلبها خط تماس يفصل بين أحيائها الداخلية من جهة، وبين منطقة بعل محسن التي يقطنها موالون للنظام في سوريا، مما جعل المدينة تدفع مدى اكثر من ثلاثة أعوام اكثر من 500 قتيل وعدد مماثل من الجرحى، خصوصاً بعد بروز من صاروا يعرفون بـ”قادة المحاور”، ومن خلفهم شخصيات وهيئات تولت تأمين الغطاء السياسي اللازم لهم، باعتبار انهم يدافعون عن المدينة.

وهكذا عاش لبنان في مستهل الأزمة السورية، على صفيح أحداث أمنية ساخنة، واضطرابات مشتعلة ارتفعت وتيرتها لاحقا.

–  المرحلة الثانية التي اتسمت بأمرين:  دخول “حزب الله” الميدان السوري الى جانب النظام، في تحول سياسي عنوانه أن وباء الارهاب المنتشر في الساحة السورية، يهدد أمن المقاومة اللبنانية عموما.   

وانزلاق الحزب الى الساحة السورية كان متدرجاً متدحرجاً، بدأ في منطقة القصير في ريف حمص، وامتد ليصل لاحقاً الى الشمال السوري ومناطق أخرى، وصار عملية منظّمة لها فلسفتها وخطابها، خصوصاً مع اندفاع اكثر من 25 ألف مقاتل حزبي الى الداخل السوري يتشاركون في غالبية الجبهات المشتعلة.

وحمل هذا التحول الجديد مخاطر جديدة جسيمة على الداخل اللبناني، اذ برزت ظاهرة العمليات الانتحارية التي أقضت مضاجع اللبنانيين جميعا، بعد تسلل عشرات الانتحاريين الى مناطق مكتظة كالضاحية الجنوبية والبقاع الشمالي.

وبرزت أيضا ظاهرة المجموعات والخلايا المتطرفة والإرهابية، تنتشر هنا وهناك، بعضها نائم وبعضها الآخر سيظهر بين الحين والآخر وغب الطلب.

وفي صيدا، المعبر الأساس الى عمق الجنوب اللبناني، برزت ظاهرة الشيخ أحمد الاسير مع خطابه المذهبي الحاد، وعناصره المسلحة التي تقطع الطرق وتتحدى العابرين وتتحرش بالمارة، في محاولة واضحة لافتعال فتنة مذهبية تغرق “حزب الله” في أتونها. وفي موازاتها، برزت أيضاً ظاهرة العبوات المفخخة وقصف الضاحية الجنوبية من الجبل.

باختصار،  أُعدّ المسرح اللبناني لإشعال حرب أهلية وفتنوية واسعة النطاق، ضبطها أمران: الأول عض الطرف المستهدف  بجره الى آتون الفتنة على الجروح النازفة، وممارسته أقصى درجات ضبط النفس ورفضه الإنجرار. والأمر الثاني انعدام وجود البؤر الحاضنة للإرهاب، ورفض شرائح واسعة الإنزلاق الى متاهات الحرب الأهلية على اختلاف ألوانها.

–  أما المرحلة الثالثة، فبدأت مع استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي ولدت مع بداية الاحداث في سوريا، إثر إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري. إذ بعد هذه الاستقالة، انفتحت الأبواب أمام محطة تحول سياسي مهم في دورة الحياة اللبنانية، فقد أعيد “تيار المستقبل” الجزء الأساسي في فريق 14 آذار، الى رأس السلطة التي كان فقدها قسراً لأكثر من عامين ونصف عام، فسمي رئيس الحكومة الجديدة تمام سلام من المحسوبين على هذا الفريق، وأعطيت له الوزارات الحساسة (العدل، الداخلية، الدفاع..) بعد مشاركة فريق 8 آذار فيها.

وسرى لاحقاً، أن هناك تفاهم ضمني بلغ حد التسوية السياسية الداخلية بين طرفي النزاع، من عناوينه العريضة:

–  قبول فريق 14 آذار بمشاركة خصومه في السلطة، في مقابل المساهمة في كبح جماح المجموعات والخلايا الإرهابية، وقمع كل مظاهر الإضطراب الأمني وتحديداً في الشمال.

–  إقتناع 8 آذار بضرورة إعطاء الفريق الخصم رئاسة السلطة التنفيذية، في مقابل غض النظر عن مشاركة “حزب الله” في الميدان السوري.

وتبين لاحقاً أن فريق 14 آذار ما قبل بهذا التفاهم، إلا بعد أن تبين له عقم رهاناته على تحول دراماتيكي في الساحة السورية من شأنه أن يؤتي بحلفائه الى رأس قمة هرم النظام، وأن فريق 8 آذار ما قبل بهذا التفاهم إلا لأنه أخذ تعهدات من الفريق الخصم، بتغطية كل التدابير والإجراءات الامنية الرسمية التي من شأنها القبض على المجموعات والرموز الارهابية والحد من خطرها.

وضمن هذه المعادلة، ولدت حكومة “المصلحة الوطنية” في بيروت بعد مخاض سياسي عسير، وبالتحديد بعد مضي سنة على تكليف رئيسها تمام سلام تأليفها.

ومع ولادتها، بدأ عهد سياسي جديد عنوانه اشتراك الخصمين في حكومة واحدة لإدارة شؤون البلاد، وتصريف الأعمال وحماية الاستقرار والسلم الأهلي.

وبعد فترة وجيزة على استيلاد هذه الحكومة، حلّ الفراغ الرئاسي، إذ انتهت ولاية الرئيس ميشال سليمان وانسدت أمامه سبل التمديد أو العودة مجدداً الى الرئاسة الأولى، بفعل معارضة فريق 8 آذار الذي اعتبر أنه تخلى في العامين الأخيرين من ولايته عن صفة الحيادية، وتبنى منطق الفريق الآخر وخطابه الداخلي والإقليمي.

وفي المقابل، حالت موازين القوى داخل مجلس النواب دون حسم الأمور لمصلحة مرشح 8 آذار العماد ميشال عون، ومرشح 14 آذار رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع.

وقد ترك الأفرقاء المؤثرون أمر الرئاسة الأولى للزمن ولمسار التطورات الاقليمية من جهة، وتركوا أمر إدارة السلطة والدولة للحكومة السلامية، فيما تولى الجيش والأجهزة الامنية أمر ملاحقة فلول المجموعات الارهابية في الداخل، ومحاصرتهم في حضنهم الأساسي في جرود عرسال والقلمون على التخوم الحدودية  الشرقية الشمالية مع سوريا. وفي هذا السياق، القي القبض على نحو 500 رمز إرهابي من جنسيات مختلفة، وجرى الكشف عن عشرات الخلايا والأشخاص المرتبطين بالإرهاب سراً.

لكن هذا التفاهم ما لبث أن اصيب بخضات ونكسات وانتكاسات عدة، خصوصاً بعد أن طال أمد الفراغ لأكثر مما هو متوقع، ومع اشتداد الصراعات الإقليمية على الأخص بين المحورين السعودي والإيراني، الى أن كان الحدث المدوي الأول الذي أتى من باريس، مع تسمية زعيم “المستقبل” لأحد أركان فريق 8 آذار وأحد القريبين من دمشق النائب سليمان فرنجية، مرشحاً للرئاسة الاولى.

ومثّل هذا الترشيح صدمة سياسية كبرى أعادت خلط الأوراق، وتركت انعكاسات على التحالفات السياسية المألوفة، الى  درجة أنها أوشكت على إنهاء تحالفي 8 و14 آذار، وخصوصاً أن فريق 8 آذار لم يرض كله بهذا العرض، فيما بعض فريق 14 آذار وخصوصا جعجع، عارضه مطلقا ولجأ الى رد سريع هو تأييده لترشيح العماد عون.

ولا ريب أن ثمة تفسيرات عدة أعطيت لخطوة الرئيس الحريري، ولكن ثمة قاسماً مشتركاً بينها وهو أنه شعربأن مسار الأوضاع الميدانية في سوريا تميل لمصلحة النظام، وبالتالي شاء أن يخطو خطوة وقائية عنوانها العريض تزكية فرنجية للرئاسة، على أن يضمن عودته الى الرئاسة الثالثة، ويقطع الطريق نهائيا على وصول عون الى هذا المنصب، وهو أمر عارضه بالمطلق العمود الفقري لـ8 آذار، أي “حزب الله”.

وعليه، بدأ يترسخ اقتناع لدى الأفرقاء الفاعلين والوازنين في لبنان، بأن زمن الشغور الرئاسي سيطول، وأن ما حصل مناورة لم تلق الصدى المطلوب، في انتظار جلاء صورة الوضع في الساحة السورية، في ظل يقين لدى فريق 8 آذار أن الرئاسة الأولى صارت معقودة اللواء له وحده مهما طال الزمن، ويبقى الخلاف على مسائل أخرى منها قانون الانتخاب ورئاسة الحكومة وما الى ذلك.

وفي كل الأحوال، أوصدت الأبواب امام محاولتي خرق الـ”ستاتيكو” المعروف، منذ أن خرج سليمان من قصر بعبدا، وبالتالي عاد الجميع الى مربّع الإنتظار، إنتظار مآل الأوضاع في سوريا .