نشر يوم: السبت, 2016-07-02 الساعة 2:43 مساءً

حلب كيف أصبح المشهد الميداني بعد عاصفة السوخوي؟

 

 

Aleppo_Citadel_04

قلعة حلب

 

 

باسل ديوب – الحقيقة

مجلة الحقيقة الشهرية 1 آذار 2016 عدد رقم 116

منذ بدء الغارات الجوية للطيران الروسي تغير المشهد الميداني كلياً في حلب مركز الثقل الاقتصادي و السكاني الأهم بعد العاصمة ، تقدم الجيش شرقاً نحو مطار كويريس ليفك حصار استمر أكثر من سنتين حوله، و جنوباً ليصل إلى إيكاردا على بعد 30 كم من حلب فما هي تفاصيل هذا المشهد ؟

 

حلب عاصمة البلاد الاقتصادية، أكثر مدينة سورية عانت نتائج دخول المسلحين إليها بداية صيف العام 2012 ، فتحولت إلى ساحة حرب وهي التي عبرت من خلال مسيرات التأييد للإصلاح و الحوار و رفض الفتنة عن رفض مطلق للعنف ، نهبت المعامل و المستودعات التجارية ، و خطف المئات من أبنائها وبناتها، و اطلقوا مقابل فدية باهظة، وتمكن المسلحون من السيطرة على نصف المدينة فور اجتياحهم لها، بعد ان كانوا سيطروا على معظم ريفها ، قبل أن يتمكن الجيش من إعادة بسط السيطرة على أجزاء كبيرة من الريف و عدد من احياء المدينة لتصبح الصورة كالآتي :

أحياء شرقي المدينة : وتمتد بشكل لسان طولي من الجنوب إلى الشمال ، لنحو 15 كم بعرض يتراوح بين 4 و 6 كيلومتر ، فيما وحدات الجيش تسيطر على  كل ما حوله عدا الشمال المفتوح عبر منفذ صغير نحو الريف الشمالي للمدينة .

محيط المدينة : حيث تبدأ سيطرة الجيش من الغرب على شكل زنار ضيق يحيط بها ويتسع  في الجنوب و الشرق لمسافات لا تقل عن ثلاثين كيلومترا ويتصل بطريق الامداد الوحيد المار عبر السفيرة وخناصر وصولاً إلى بادية حماة.

أما في الشمال فيسيطر المسلحون على أحيائها المتصلة بالريف ، و يعتبر حي بني زيد من أخطر المناطق التي ينتشر فيها المسلحون حيث يمطرون الأحياء الامنة القريبة بقذائف الهاون و أسطوانات الغاز المفخخة التي يطلقها ما يسمى “مدفع جهنم” . و إلى جواره يقع حيا الأشرفية و الشيخ مقصود حيث السيطرة لوحدات الحماية الشعبية الكردية ، و يقع في الحي  “معبر المغسل” المفتوح باتجاه الأحياء الامنة، الذي تم افتتاحه مؤخراً، ومن ثم الهلك و الحيدرية ومساكن هنانو التي تنتشر طلائع الجيش العربي السوري في محيطها.

بني زيد بؤرة القذائف

تحول حي بني زيد الخالي من السكان منذ سنة ونصف ، إلى رمز كريه لدى سكان المدينة لكثرة ما أطلق منه  المسلحون القذائف باتجاه الأحياء الآمنة القريبة من شارع النيل إلى السبيل و الموكامبو و الخالدية و السريان ، لترتفع مطالبات السكان بوضع حد للوجود المسلح فيه ، حيث تقدر مديرية صحة حلب عدد  الشهداء الذين قضوا بسبب القذائف المنطلقة منه بأكثر من 350 و نحو الفي جريح منذ دخول المسلحين إليه قبل ثلاثة أعوام.

من جهتها اعتبرت رلا قناعة أن بقاء حي بني زيد بؤرة للإرهابيين يعني استمرار نزيف السكان المدنيين و طالبت بالقضاء على الوجود المسلح فيه مهما اقتضى الأمر فيما يرى فراس لبنية و هو طالب جامعي أن خلو هذا الحي من السكان المدنيين يجب أن يساعد على تدمير الأهداف الإرهابية داخله .

 

مدفع جهنم

مدفع جهنم هو أحد أهم الوسائط النارية للمسلحين في الأحياء الشرقية من المدينة، و القذيفة التي يطلقها ما هي إلا أسطوانة غاز مفخخة ، ويبلغ مداه نحو كيلو متر ، وقام المسلحون بتطوير ” نسخ منه ، حملت أسماء ، ” جحيم ” و ” حمم ” و ” عمر بن الخطاب ”  و قذائف هذه المسميات أسطوانات أكسجين صناعي ، و سخانات ماء ( قاظان ) تم تفخيخها، بمواد متفجرة يصل وزنها على أكثر من 150 كيلوغرام  لتحدث دماراً كبيراً لدى سقوطها .

من جهته سدد الجيش عدة ضربات إلى الورش التي يتم تصنيع قذائف جهنم فيها ، و أشهر تلك الورش كان في مزارع بلدة حريتان إلى الشمال من حلب ، كما ان تطوير آلية المراقبة و الرصد الجوي ، مكن وحدات الجيش من الحد من استخدام هذه المدافع، ما أجبر المسلحين إلى الاعتماد مجدداً على قذائف الهاون ذات القدرة التدميرية الأضعف.

 

مطار كويريس

خلال شهر من المعارك تمكنت وحدات الجيش العربي السوري من إحداث خرق كبير في جبهة القتال مع المسلحين ، الذين بنوا الاستحكامات العسكرية و الخنادق و نظموا دفاعات قوية في القرى المحيطة بالمطار و لمسافة تصل إلى أكثر من 20 كيلومترا، حيث لجأ الجيش إلى تكتيك جديد، فتخلى عن التقدم الجبهي ( العرضي )  وتقدمت وحداته طولياً لمسافة 20 كم من الجبول جنوباً باتجاه الشيخ أحمد شمالاً على تخوم بوابة المطار ، بعرض جبهة يتراوح بين 3 و 5 كم ، حتى الوصول إلى المطرا ومن ثم جرى التقدم شرقاً وغرباً لتوسيع المنطقة الامنة الموصلة إلى بوابة المطار ، الذي عاد للعمل منتصف شهر كانون الأول 2015 بعد تأمين كامل محيطه بعمق خمسة كيلومترات.

 

أوتوستراد حلب – دمشق

بموازاة عملية فك الحصار عن مطار كويريس حيث واجه الجيش مسلحي تنظيم داعش التكفيري المنتشرين في الريف الشرقي ، كانت عملية أخرى في ريف حلب الجنوبي ، حيث تمكن الجيش من التقدم جنوباً ليوسع من زنار الأمان حول القطاع الجنوبي من المدينة إلى نحو 35 كيلومترا، ووصلت طلائعه إلى منطقة الايكاردا على أوتوستراد حلب دمشق ، ليسيطر نارياً عليه و يقطع هذا الشريان الحيوي الذي يستخدمه المسلحون في نقل الامدادات القادمة من تركيا إلى مناطق شمالي إدلب .

وبلغت مساحة المناطق المحررة في الريفين الشرقي و الجنوبي نحو 500 كم2 ، تضم  نحو 80 قرية وبلدة و مزرعة .

وبموازاة التقدم البري في هذين المحورين فإن عمليات سلاحي الجو السوري و الروس التي كانت فعالة في حسم التقدم البري ، دمرت قسماً كبيراً من البنى التحتية للجماعات المسلحة ، كعقد الاتصالات اللاسلكية ، و مخازن السلاح و الذخائر و المقرات ، و قوافل الامداد القادمة من تركيا، حيث يسعى الجيش السوري لإقفال المعابر الحدودية بالنار ، فشملت غاراته معبر السلامة شمالي حلب ومعبر باب الهوى ، والتي دمرت عشرات الشاحنات و صهاريج النفط و الوقود.

 

كيف يعيش الحلبيون ؟

يتحكم المسلحون بواردات المدينة من مياه الشرب و الكهرباء ، حيث تسيطر ميليشياتهم على محطة ضخ المياه في حي سليمان الحلبي ، و على عقدة تحويل الزربة الكهربائية، حيث عمدوا إلى قطع الكهرباء عن المدينة منذ بداية تشرين الثاني الماضي، فيما تؤدي جهود أهلية لا تتوقف إلى إجبار المسلحين على عدم عرقلة عمل مهندسي و عمال المؤسسة العامة للمياه .

الأهالي تكيفوا مع هذا الواقع فانتشرت بشكل مطرد ، مولدات الكهرباء الجماعية الضخمة ” الآمبيرات ” التي توفر الطاقة الكهربائية بكميات استهلاك الحد الأدنى و لكن مقابل تكلفة عالية ،حيث تراوح سعر الآمبير الواحد بين 700 و 900 ليرة ، و يحتاج تشغيل إنارة منزل و الأجهزة الضرورية إلى ما لا يقل عن 3 آمبير ، كما انتشرت صهاريج وخزانات المياه المحمولة على الشاحنات ، كما جرى التوسع بحفر الآبار و تجهيزها . حيث يكلف نقل 1 متر مكعب من الماء إلى خزانات البيوت مبلغاً يتراوح بين 1500 و 2000 ليرة سورية .

يقوم نزار سليمان وهو طبيب يقطن السريان المرتفع قليلاً في المدينة و الذي لا تصله المياه إلا كل أسبوع مرة بتعبئة عبوات بلاستيكية من بئر للعموم في الحي فيما ينتظر قدوم صهريج خاص لملء خزانات البناية ” الأمر مكلف كثيراً ، نحن ندفع ثمن خزان واحد أكثر مما كنا ندفعه لمؤسسة المياه عن استهلاك عام كامل “.

أما عن الكهرباء فتعتبر زوجته المحامية ديانا عبد الوهاب أن حرمان المدينة من الكهرباء النظامية لشهرين هو أمر لا بد أن تواجهه الجهات الحكومية بحل جذري كتأمين مولدات ضخمة للمدينة بديلاً عن الشبكة العامة التي يتحكم المسلحون فيها.

لكن المدهش في الواقع الاقتصادي الحلبي هو أن أسعار معظم السلع الواردة من المحافظات الأخرى هو أدنى من مثيلاتها في محافظات المنشأ، حيث جميع السلع مؤمنة في الأسواق الحلبية التي انتقلت من المدينة القديمة و أسواقها التاريخية و مناطق التماس مع المسلحين إلى الأحياء الغربية و أحياء السكن الحديث.