نشر يوم: الإثنين, 2016-06-13 الساعة 3:37 مساءً

السعودية غرقت في المستنقع اليمني و”القاعدة” و”داعش” يتوسعان بلا قيود

 

الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي

الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي

 

 

الحقيقة – أ‌.  غ

مجلة الحقيقة الشهرية 1 آذار 2016 عدد رقم 116

تقترب “عاصفة الحزم” التي أطلقها التحالف العربي بقيادة السعودية ضد الحوثيين في اليمن، من استكمال عامها الأول، من دون أن تلوح في الأفق ملامح نصر بارز لهذه الحملة التي لم يكن من شأنها سوى إغراق اليمن في مزيد من الدماء والدمار، تحت شعار استعادة شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي من الحوثيين، والجيش اليمني الذي بقي على ولائه للرئيس السابق علي عبدالله صالح. وتحولت الحرب ساحة استنزاف لقوات التحالف من جهة، وللحوثيين من جهة أخرى، علماً أن المدنيين هم أكثر من يدفع فاتورة الدم . والى ذلك، كان تنظيما “القاعدة”  “داعش”  الإرهابيان أكثر القوى التي عزّزت مواقعها، من جراء حرب معقدة ومتشابكة داخلياً واقليمياً ودولياً.

وفي خلفيات الحرب أن السعودية طالما اعتبرت أن اليمن هو حديقتها الخلفية، وطالما مارست نفوذاً غير خاف على الأطراف اليمينية منذ استقلال البلاد، الى انقلاب 1962 وما تلاه من حرب بين دعاة الجمهورية مدعومين من مصر عبد الناصر،  ودعاة الإمامية مدعومين من الرياض، وصولاً الى مرحلة الوحدة عام 1990 واندلاع أحداث ما يسمى “الربيع العربي”، وتنحي علي عبدالله صالح بمقتضى المبادرة الخليجية، وتسلم نائبه عبد ربه منصور هادي الحكم الانتقالي. وفي كل المراحل التاريخية  التي مر بها اليمن، كانت السعودية هي اللاعب الأكبر في هذا البلد بحكم الجغرافيا والتاريخ.

إلا ان هذا التوازن اهتزّ مع قيام الحوثيين بثورتهم عام 2014 بشعارات اجتماعية، عندما أرادت حكومة هادي زيادة أسعار الوقود وغيره من المواد الضرورية التي تمس بحياة الطبقة الفقيرة. ووجد الحوثيون تجاوباً من الشارع الذي التهب بشكل واسع، وفشلت كل الصيغ والمخارج التي طرحتها جهات إقليمية وأممية من أجل التوصل الى اتفاق داخلي بين الأطراف. ومما زاد من الاضطراب، التجاهل الذي قوبلت به مطالب الحوثيين على صعيد صيغة الحكم الذي نص على إقامة ستة أقاليم. فالحوثيون شعروا أنهم مغبونون سياسياً واجتماعياً، ولذلك وجدوا أنفسهم مدفوعين الى فرض سيطرتهم الكاملة على السلطة، وطرد هادي ومعظم أعضاء حكومته الى عدن، ومن بعدها الى السعودية، بعدما سيطروا بالتحالف مع علي صالح على معظم مدينة عدن.

والحوثيون متهمون من السعودية بأنهم ينفذون أجندة ايرانية، وتالياً فإن وصولهم الى الحكم يعني وقوع باب المندب الاستراتيجي تحت النفوذ الايراني، مع ما يعنيه ذلك من توسع في دور ايران وتحكمها بممر أساسي من ممرات النفط والتجارة العالمية. هذا في الاستراتيجيا. أما على مستوى العلاقات الثنائية، فإن خروج اليمن من دائرة النفوذ السعودي يعني تراجعاً خطيراً في تأثير الرياض الاقليمي خصوصاً أن معركتها في سوريا لم تكن مضمونة النتائج، عندما اتخذت القيادة السعودية الجديدة بزعامة الملك سلمان بن عبد العزيز، ولم يكن قد مضى على توليه الحكم سوى شهرين، قرار الحرب في اليمن ومواجهة الحوثيين وعلي صالح الحليف السابق للرياض. ولعب ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي يتولى وزارة الدفاع، دوراً رئيسياً في اتخاذ قرار الحرب والإشراف عليه.

لكن الحرب وحدها لم تكن كفيلة تحقيق الأهداف السعودية، على رغم أنها ألحقت أضراراً كبيرة بالأرواح والممتلكات. ولم يترك الطيران السعودي زاوية إلا قصفها في اليمن، ليحصد بحسب إحصاءات الأمم المتحدة أكثر من 6 آلاف قتيل معظمهم من المدنيين. وفي هذا السياق، حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) من أزمة غذائية “مذهلة”، قائلة إن مجاعة تلوح في الأفق، لأن أكثر من نصف السكان أو نحو 14.4 مليون نسمة يواجهون انعدام الأمن الغذائي. وفي وقت السلم كان اليمن الفقير يستورد 90 في المئة من السلع الغذائية الأساسية. وتمثل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة نحو 4 في المئة من البلاد، لكن لا يمكن زراعة معظمها الآن بسبب الحرب. وتفيد منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” أن “هناك 2.4 مليون نزحوا داخلياً. في ظل هذه الظروف لا يمكن الحصول بسهولة على الرعاية الصحية ويعاني نحو 320 ألف طفل دون الخامسة من سوء تغذية حاد”.

ودفعت الحصيلة الثقيلة في أرواح المدنيين المنظمة الدولية، الى التحرك بحثاً عن حل للنزاع. وكذلك عملت دول في مقدمها أميركا وروسيا، على إيجاد صيغة قرار في مجلس الامن يحض الاطراف اليمنية كافة على التزام الحوار السياسي سبيلاً الى حل الخلافات. وصدر القرار 2216 بإجماع أعضاء مجلس الأمن، تدليلاً على الرغبة الدولية في الخروج من الحرب وسلوك طريق الحل السياسي.

مفاوضات بالتوازي مع الميدان

واتخذت السعودية من القرار 2216 مطية من أجل تدخل بري بعد التدخل الجوي، فكانت الحملة البرية بمشاركة قوات إماراتية وقطرية وسودانية في وقت لاحق. ونجحت هذه القوات الحليفة في دفع الحوثيين وحليفهم علي صالح الى خارج عدن وأربع محافظات جنوبية، بمساعدة قوات يمنية موالية لهادي، فضلاً عن مشاركة الحراك الجنوبي في القتال الى جانب القوات المشتركة وما بات يعرف بـ”المقاومة الشعبية”. وزادت الحملة البرية في معاناة اليمنيين من دون أن تدفع بالحل السياسي الى الامام ،وباءت بالفشل محاولات الامم المتحدة لترتيب وقف نار إنساني موقت من أجل إدخال المواد الغذائية الى المناطق المحاصرة، وإسعاف الجرحى الذين هم في أمسّ الحاجة الى العلاج.

وبالتوازي، أخفق المبعوث الخاص للأمم المتحدة الجديد الى اليمن اسماعيل ولد الشيخ أحمد الذي خلف جمال بن عمرو، في إقناع الأطراف المتصارعة بالجلوس الى طاولة المفاوضات. وانتهت جولة التفاوض التي أجريت في جنيف أواخر العام الماضي بالفشل.  واستندت المفاوضات في جنيف الى أفكار صاغها المبعوث الدولي، خلال مفاوضات مع أطراف الصراع في سلطنة عمان التي اتخذت موقفاً محايداً في الصراع على اليمن، على رغم أنها عضو في مجلس التعاون الخليحي.  وتتلخّص الأفكار الأممية التي انبثقت عن لقاءات ولد الشيخ احمد مع ممثلين من الحوثيين وحكومة هادي، بـ”انسحاب الميليشيات والجماعات المسلّحة من المدن، وأن يتزامن الانسحاب مع وقف النار، بوجود آلية مراقبة تحت إشراف الأمم المتحدة، من خلال مراقبين”. وتتعلّق النقطة الثانية بإيصال المساعدات إلى جميع المدن، بما في ذلك محافظة صعدة، فيما  شملت النقطة الثالثة، السماح للبواخر التجارية بالوصول إلى السواحل اليمنية. ونصت النقطة الرابعة على احترام القانون الإنساني الدولي، في ما يتعلق بعدم تجنيد الأطفال وحماية السجناء وغير ذلك. وتضمنت النقطة الخامسة عودة الحكومة الى ممارسة مهماتها، خصوصاً في ما يتعلق بالبنية التحتية والخدمات، بينما يعترف الجميع في النقطة السادسة بأن الإرهاب هو التهديد الحقيقي في البلاد. وقضت النقطة السابعة بالعودة إلى طاولة المفاوضات السياسية، على أساس المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني. على أن يكون كل ما سبق، قائماً على مرجعيات، أهمها القرار الدولي 2216 الذي تطالب الحكومة والتحالف الجميع بالالتزام به . ومع انطلاق مفاوضات “جنيف 2″، سعت الأمم المتحدة إلى الاتفاق على خطة من عشر نقاط، بينها وقف النار وانسحاب المسلحين من المدن دون إحداث فراغ أمني، وتعيين فريق أمني أممي لمراقبة مدى التزامه.  لكن هذه النقاط التي طرحها المبعوث الأممي على أطراف الصراع في جنيف، لم يُتفق عليها بسبب الرهان على أن الميدان وحده ستكون له الكلمة الفصل في تقرير مصير طاولة التفاوض، لذلك عاد الجانبان الى اليمن بجولة جديدة من التصعيد.

ووصلت قوات من الجيش اليمني والتحالف إلى محافظة الجوف شمال شرق صنعاء، استعدادا لعملية عسكرية ضد الحوثيين وحلفائهم. وشهدت المواجهات الميدانية بين  الجانبين، تحولاً مهماً بعد سقوط معسكر فرضة نهم الإستراتيجي التابع لمدينة صنعاء في أيدي قوات هادي ، مما يعني السيطرة على البوابة الشرقية للعاصمة.  وجاء التركيز على الجوف بعدما فشل التحالف وقوات هادي في تحقيق اختراق كبير على جبهة مأرب أو على جبهة تعز.

“القاعدة” و”داعش” يتوسعان

وعلى هامش النزاع الدامي، كانت “القاعدة” من أبرز الرابحين. وبدأت السلطات اليمنية حملة عسكرية وأمنية لتطهير مدينة عدن التي اختيرت عاصمة موقتة للبلاد، من عناصر تنظيمي “داعش” و”القاعدة”، لكنها تراجعت عن ذلك بسبب الخوف من حرب شوارع، تهدم ما تبقى من المدينة التي دُمرت أجزاء كبيرة منها أثناء القتال مع  الحوثيين وقوات علي صالح. ولم يسفر استرداد قوات التحالف العربي الخليجي لمدينة عدن في الصيف الماضي، عن فترة راحة لالتقاط الأنفاس في الحرب الأهلية اليمنية، إذ يواجه سكانها موجة من التفجيرات والهجمات بالأسلحة النارية تعوق الجهود الرامية لتحقيق الاستقرار في المدينة.   وتقع يوميا تقريبا حوادث اغتيالات ضحاياها من القضاة ومسؤولي الأمن والشرطة، وذلك بعد سبعة أشهر من طرد المقاتلين الحوثيين من عدن.

ومنذ  تموز الماضي، واجهت قوات التحالف الخليجي وقوات الأمن المحلية صعوبات في فرض النظام في عدن، الأمر الذي فتح الباب أمام  “داعش” و”القاعدة” وجماعات مسلحة أخرى للظهور علانية من دون رادع. وينذر استمرار العنف في عدن، بتقويض الحملة التي يشنها التحالف على الحوثيين والقوات الموالية لعلي صالح. وقد تمكنت مجاميع إرهابية من الانخراط في العمليات القتالية، وحرصت على اقتناء كميات كبيرة من الأسلحة، لاستخدامها بعد ذلك في بسط سيطرتها على المدينة، كما فعلت في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، والتي لا تزال تحت سلطة “القاعدة” حتى الآن.  ولأن تركيز السلطات والتحالف كان منصباً على هزيمة تحالف الحوثيين والرئيس السابق، فإن الجماعات الإرهابية تحركت بحرية، وسيطرت على مديريات في عدن.

والفراغ الذي خلفه خروج الحوثيين وقوات  علي صالح في معظم محافظات جنوب اليمن، لم تسدّه قوات التحالف التي ترابط في قواعد خاصة في مدينة عدن. لذا، تسيطر عناصر “القاعدة” على أجزاء من محافظة شبوة التي يوجد فيها أكبر وأهم منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال. كما أن هذه العناصر تسيطر على مدن عدة في محافظة أبين، مسقط رأس هادي، على بعد خمسين كيلومتراً من العاصمة الموقتة عدن. والى الغرب، يسيطر خليط من المتطرفين التابعين لتنظيمي “القاعدة” و”داعش” على عاصمة محافظة لحج، التي لا تبعد أكثر من خمسة وعشرين كيلومتراً عن عدن. ولم يتمكن المحافظ الذي عينه هادي، من ممارسة عمله من مقر المحافظة.   وكما حصل في بلدان أخرى، فقد انهارت قوات الشرطة، واندثرت بصورة كاملة؛ وانتشر المسلحون مختلفو الولاءات بدلا منها. ولذا سعت الحكومة الى ضم المجاميع المسلحة، المعروفة بالمقاومة، وهي في الأساس عناصر تتبع للحراك الجنوبي الذي يطالب بانفصال الجنوب عن الشمال، وأُخرى تتبع التيار السلفي وحزب الإصلاح؛ وذلك على أمل تشكيل قوات محلية، تتمكن من ضبط الأوضاع في المدينة، بما يسمح بعودة الحكومة إليها، لكنَّ هذه المهمة لم تنجز إلى الآن.

حرب بلا أفق

هذه الصورة الميدانية لما هي عليه الأحوال في اليمن اليوم، لا توحي بقرب التوصل الى حل سياسي في وقت قريب. وكل طرف لا يزال يراهن على أن المكتسبات التي يحققها على الأرض، ستضمن له حصة أكبر في السلطة، بينما البلد يضيع من الجميع فيما تتوسع القوى الجهادية التي لها أجندتها الخاصة، والتي لا يمكن أن تتفق مع أي من أجندات القوى الأخرى في اليمن. وعلى رغم حالة العداء بين السعودية والحوثيين في الوقت الحاضر، كيف ستطمئن الرياض فيما “القاعدة” و”داعش” يتمددان على حدودها؟ لذلك يتحول اليمن مستنقعاً للقوى التي تحارب فوق أرضه. ومع الانحدار المتزايد لليمن في أيدي القوى الجهادية، فإن العالم يخالجه القلق من المخاطر التي سيشكلها إمساك “القاعدة” و”داعش” بمواقع جديدة، تتيح للتنظيمين الارهابيين شن هجمات تطاول المصالح الغربية وتهدد خطوط الملاحة البحرية.

وعليه، ثمة استياء أميركي ضمني من اندفاع السعودية نحو مزيد من التصعيد العسكري في اليمن. فذلك يحرج الولايات المتحدة التي لا تأخذ بالتبريرات السعودية القائمة على الربط المباشر بين الحوثيين وإيران. ونادراً ما أشار المسؤولون الأميركيون في أحاديثهم عن اليمن الى هذه الصلة، وإن كانوا يتحدثون بصفة عامة عن تشكيل إيران عامل عدم استقرار من خلال دعمها لجماعات وتنظيمات في الشرق الأوسط. كما أن أميركا، لن يسعها أن تترك السعودية تغرق في المستنقع اليمني من دون أن تقدم إليها يد العون. لكن واشنطن تريد إنهاء الصراع بالوسائل الديبلوماسية ومن طريق الحوار.

كما أن روسيا التي وافقت على تمرير القرار 2216 في مجلس الأمن، فإنها كانت تفعل ذلك من أجل أن تقول للسعودية إنها تعترف بمصالحها في اليمن، لكن من دون اعتماد الخيار العسكري حلاً نهائياً، وإنما من خلال اللجوء الى الحلول الوسط. وهذا ما ليس متوافراً حتى الآن.

لقد كان اليمن البلد الذي قررت السعودية أن تنطلق منه لتحجيم النفوذ الايراني في المنطقة بكاملها، فألهبت بذلك صراعاً أوسع وأعمق من دون أن يكون لديها استراتيجية للخروج منه، مما أوصلها الى طريق مسدود، فيما ترفض الدخول في حوار مباشر مع إيران لحل أزمات المنطقة، علماً أنه لن يكون في الإمكان إيجاد حلول للأزمات الاقليمية من دون حوار سعودي-إيراني. لذلك، تبدو الحرب اليمنية مرشحة للاستمرار من دون حسم لا ميداني أو سياسي.