نشر يوم: الأربعاء, 2016-06-15 الساعة 2:02 مساءً

الزراعة في العراق.. حقائق التحديات وفاعلية الحلول

12696779_580688092084098_114763054_o

الزراعة في العراق

 

الحقيقة –  خضير الحسناوي (العراق ـ النجف الاشرف)

مجلة الحقيقة الشهرية 1 آذار 2016 عدد رقم 116

الزراعة في العراق هي طوق النجاة برغم كل التحديات والاهمال الذي يشوب الحياة الزراعية بكل تفاصيلها وجزيئياتها ,ويبدو ان هذا الواقع قد وقع تحت تأثير الاجندات التي تُنفذ في العراق بغض النظر عن الجهة المستفيدة من ذلك ,فمتى كان العراق مثلا  يستورد ((الخيار والطماطم والبصل والبطاطا ,,وغيرها من الخضار ))  ناهيك عن الفواكه والمنتجات الاخرى التي ترتبط بالمنتج الزراعي دون غيره.

ولا ينفى على احد ما لهذا القطاع من مردودات ايجابية وقفت الى جانب هذا الشعب في أوقات المحنة، خصوصاً وإنها عدت المصدر الرئيسي للتحويل قبل ظهور واعتماد النفط، يضاف الى ذلك ان سنوات الحصار الاقتصادي العجاف التي عاشها العراقيون في عقد التسعينات من القرن الماضي ولغاية 2003، كانت الزراعة هي طوق النجاة التي أنقذ الشعب العراقي من ويلات الفقر والعوز، بل ان الوفاء كان السمة الأبرز التي أحاطت بهذا القطاع لكونه لم يُخذل ولم يكل او يتعب من إعالة هذا الشعب.

وأصبح من المنطقي ان يُرد هذا الدين الى هذا القطاع الذي عانا ما عانا من ويلات وجود الإنسان الذي كان يتعامل معه، على إنه الدجاجة التي تبيض ذهباً، دون عناية وإهتمام، بعيداً عن الرعاية والإهتمام التي يجب ان تتوفر من اجل إدامت هذا العطاء واستمرار نجاحه، ليكون فعلاً ذلك الظل الذي لم ولن يفارق خارطة وجود هذا الشعب. وبعد التغيير الذي حدث بعد العام 2003، وبدلاً من ان ينال هذا القطاع استحقاقه الطبيعي من الإهتمام والرعاية، كان نصيبه الغموض والترهل اللذان فرضا عليه واقعاً سوداوياً من حيث الجفاف وقلة الإهتمام وعقم التوجهات الداعمة لهذا القطاع، فكانت ان توجهت بجموع الفلاحين الى ترك هذا المفصل الحيوي الذي إعتاشوا على خيراته سنوات طوال، وتوجهو للبحث عن فرص عمل من وظائف وغيرها، او العمل في مجال الإستثمار وقطاع الإعمار، فكان ان إزداد اعداد المقاولين ممن كانت لهم اصول فلاحية او يعملون في قطاع الزراعة بشكل كبير، وهذا دليل على ان القطاع الزراعي قد فقد الكثير من مقوماته وأبرزها ((الايدي العاملة)) والتي وصلت الى قناعة الزراعة اصبحت اليوم غير منتجة لكونها فقدت عامل الدعم الذي تستند اليه كمقوم رئيسي للنجاح ولا نعلم ما هو المقصود ((بالدعم)) فالزراعة ومنذ ان وجدت يُعبر عنها بأنها كلما اعطيتها، أعطتك، ولذلك فإن مفهوم الدعم اختلف تبعاً للمفسرين لهذه المقولة، فأجهزة الدولة ممثلة بالمؤسسات التي تشرف على قطاع الزراعة، تدعي بأن الدولة مستمرة بذلك الدعم على الرغم مما يقوله  ا لفلاحون  بأن الزراعة إفتقدت الى مفهوم الدعم، وبين ذلك الواقع وبين الأحاديث والخطط يبقى واقع الزراعة العراقية يعاني من فجوات وهفوات كبيرة اصبحت اليوم حقائق ظاهرة للعيان بعيداً عن التأويلات والنتائج المبسطة التي لا تُرهق المتتبعين للشأن الزراعي في إستكشافها وتسليط الضوء عليها.

 

مفهوم التنظير العلمي وواقعية  المشاكل:

تتحدث الارقام والسياسة الزراعة التي أقرتها الدولة من اجل النهوض بالواقع الزراعي، عن خطوات كبيرة نفذتها الدولة ممثلة بوزارة الزراعة والجهات العاملة معها، في إطار دعم القطاع الزراعي والحقيقة تقال بأن هنالك خطوات كبيرة ومهمة تم تطبيقها على أرض الواقع خصوصاً في مجال منح القروض الزراعية  للفلاحين وكذلك توفير الأسمدة والمعدات والآلات الزراعية وبأسعار تُقسط على الفلاحين لعدم إحداث اي عائق يثقل كاهل الفلاحين، ولكن المشكلة الحقيقية في أن بعضاً من هؤلاء الفلاحين يعطي عقدا الأرض او حجة الملكية للوسيط الفلاني فيقوم ذلك الشخص بتنظيم معاملة تسليف زراعية يعطي منها نسبة لهذا الفلاح في حين يذهب باقي القرض الى حسابه الشخصي فيقوم بإستثماره في مجال آخر غير الزراعة، هذا جانب، اما لاجانب الآخر هو إن هنالك مصارف تأخذ على عاتقها شراء معدات وآليات ومستلزمات الزراعة كحاصدات وساحبات ومنظومات الري الحديث، غير ان حقيقة الأمر إن هذا الفلاح يأخذ هذه المعدات بنظام التقسيط ليبيعها نقداً في السوق المحلية وبفارق الأسعار ليضمن مجالاً آخر للإستفادة بعدياً عن الزراعة، وتبقى الأرض بإنتظار مفهوم الدعم الحقيقي من أجل ان تسهم وتقف كعادتها مع الفلاح في اوقات الرخاء والشدة. الأدهى من ذلك كله ان مصارف التسليف الزراعي قد شرعت منذ فترات طويلة بدعم مربي الحيوانات بمبالغ لشراء الأعلاف في خطوة لدعم هذا المجال وتطويره بالشكل الذي يلائم حاجة السوق العراقة، لكن الذي حدث هو ان البعض من مربي تلك الحيوانات بدأوا بحتالون في هذا المجال فيقوم هؤلاء وفي الوقت المحدد لإجراء الكشف بإستئجار حيوانات الأصدقاء والأقارب والمعارف وتجميعها في مكان واحد لغرض الظهور بأن هذه الحيوانات كلها بحاجة الى رعاية وإهتمام مما يسهل عليه الكثير في عملية الإقتراض من الدولة، بعدها يذهب الى شراء سيارة حديثة ضارباً عرض الحائط بالهدف الذي من أجله قام بعملية الإقتراض هذه، ولكن تنبهت الجهات المسؤولة عن تلك العمليات وبدأت تتخذ اجراءات واقعية اكثر في عملية التسليف يصعب معها استخدام هذاه الحيل.

وهذا يعني بصريح العبارة ان خطوات الدعم وإن كانت موجودة فإن الإرادات المريضة للفاسدين تحاول توجيهها في إطار بعيد عن خدمة الزراعة مما يوفر كثيراً من الأجواء الغير مشجعة للنهوض بهذا القطاع الذي تتحدث عنه الكثير من الدراسات على أنه يمكن ان يكون مصدراً مهماً للدخل العراقي يكون بديلاً مهماً عن أحدةي المصدر المتمثل بالنفط وما قد يطرأ عليه من متغيرات مهمة وخطيرة.

 

جوهر المشاكل  :

هنالك مشاكل تُعد اليوم بمثابة دوافع حقيقة وراء عزوف الفلاحين عن الإرتقاء بهذا الواقع، سواء أكانت تلك المشاكل دائمية أو وقتية بسبب منظور وتفسيرات  الفالحين انفسهم، فهنالك مثلاً مشكلة الإستيراد التي يعاني منها المنتوج الزراعي لكون إن المحاصيل الزراعية العراقية تشهد مثلاً منافسة من البضائع والمحاصيل المستوردة، فزيادة اسعار تلك المحاصيل تبقى الى حد ثابت سواء شهدت السوق العراقية محاصيل محلية او لا، يضاف الى ذلك ان منع استيراد تلك المحاصيل وترك الساحة للمحاصيل المحلية، لا يؤثر بمجمله على اسعار المحاصيل المحلية فهي لا ترتقي الى مستوى الأسعار للمحاصيل المستوردة وهذا بحد ذاته محابة الى تلك المحاصيل.

ولعل من بين المشاكل الاخرى التي شهدتها الاراضي الزراعية، هي طبيعة التوجهات والخطط التي تنص على تطوير قدرات تلك الأراضي من الناحية الإروائية خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع الإستصلاح والإرواء التي شهدت توسعاً كبيراً لتشغيل آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية.

فبالرغم من المردودات الكبيرة والفائدة الناجمة عن إنجاز تلك المشاريع من الناحية المستقبلية، الا ان هنالك دوافع وتفسيرات على إنها كانت سبباً ومعوقاً رئيسياً امام الإستمرار ومواصلة العطاء الزراعي، فمثلاً إن مشروع (كفل – شنافية) ولاذي اخترق آلاف الدونمات، استغرق سنوات عديدة من حيث العمل ولا يزال العمل فيه جار على الرغم من مرور اكثر من خمس سنوات او اكثر، وبالتالي فلقد كان هنالك حالة من الشلل، اصابت جميع تلك الأراضي خصوصاً في فترات العمل الحقيقية، في حين يجد بعض المختصين ان هذه المشاريع و بالرغم من الأذى الذي صاحب انجازها الا انها ستكون ذات فائدة كبيرة في المستقبل لكونها توفر واسطة ريّ لا تكلف الفلاح والمزارع العراقي اي جهد او تكلفة.

وبين هذه التفسيرات والتأويلات لمفهوم المشاكل سواء اكان منها ما هو معقول ومقبول وبين جدوى البحث عن الحلول تبقى مهمة ايجاد الحلول المناسبة هي الفيصل في إطار الإبقاء على تلك الأهمية وتطويرها بالشكل الأمثل.

 

صوت المزارعين والفلاحين:

التعرف والاستماع الى ما يقوله الفلاح او المزارع  و التعاطي بشكل فاعل  مع هذه الامور يخدم ذلك الواقع         ومن المؤكد ان وجهات نظر وآراء الفلاحين والمزارعين ، تعطي الإنطباعات الحقيقية عن ماهية هذه المشاكل وما هي الحلول المقترحة ببساطتها من وجهات النظر المبنية على اسس عملية اكثر ما هي  نظريات على ورق ومن الضروري ان يكون هنالك تواصل مع هذه الآراء من اجل ان يصل الجميع الى قناعات تفضي الى واقع مقبول.

فالحاج (فالح الحسناوي ) وهو مزارع، يرى ان المشكلات التي يعاني منها اقطاع الزراعي، لم تجد المقترحات والحلول المناسبة التي يمكن ان توفر الأرضية املناسية لواقع زراعي سليم، وأضاف الحاج مهدي كاظم ان العراق اليوم في أمس الحاجة الى قطاع زراعي يساهم جنباً الى جنب مع القطاعات الأ×رى في توفير الأسس السليمة من أجل الشروع في مرحلة بناء جديدة يحتاجها البلد في عصر وفي عهد يجب ان يتعاضد الجميع خدمة لهذه المرحلة، منوهاً في الوقت نفسه الى إن الإستراتيجيات التي يتم وضعها لخدمة هذا القطاع يمكن ان تسهم في الإرتقاء بواقع الزراعة إن استندت الى اسس علمية ومهنية حقيقية.

أما المزارع (محمد جابر) فيجد إن المشاكل التي تعرض لها القطاع الزراعي قد أثرت فعلاً على فاعلية هذا القطاع، خصوصاً وإن الفلاحين هم أصحاب المصدر الأساسي لتلك المشاكل، كونهم أقدموا علىترك العمل في هذا المجال والتوجه الى مجالات اخرى للعمل متساءلاً في الوقت نفسه عن أحاديث البعض بخصوص قلة الدعم، ترى ما طبيعة الدعم الذي يحتاجه الفلاح (والكلام للمزارع محمد جابر)، لم تكن الأرض والزراعة متأقلمة مع الفلاح فكلما كان جهده منصباً على الزراعة معتمداً عليها كلما كان المردود ملائم ومتوافق، وهي حقيقة عرفها الفلاحون منذ الازل.

اما الحاج (صباح) فيكاد يتفرد برأيه بخصوصان  الدولة إذا ارادت ان تنهض فعلاً بالواقع الزراعي فعليها ان تجد وتبحث عن المشكلات الحقيقية التي يعاني منها الفلاحون والمزارعون، ألا وهي من هو المستفيد من إبقاء الزراعة العراقية دون المستوى المطلوب، ومن هو المنتفع الحقيق في هجر الفلاح لأرضه؟ ولماذا تبقى اسعار المحاصيل الزراعية المحلية دون مستوى المعقول والمقبول على الرغم من الفوارق من حيث الجودة لصالح المحصول العراقي.

الإجابة عن هذه التساءلات وغيرها وإبداء الحلول الملائمة سترتقي كثيرا بواقع هذا اقطاع بالشكل الامثل لتوجيهه في خدمة مسيرة البلد على طريق تحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان امن مطلق لغذاء الشعب .