نشر يوم: الأربعاء, 2016-09-07 الساعة 10:48 مساءً

التدخل الجوي الروسي “قلب الأوضاع” الميدانية هل يكون عام الحسم ضد الإرهابيين في سوريا؟

 

سوخوي

سوخوي

 

 الحقيقة – الياس غنطوس

مجلة الحقيقة الشهرية 1 آذار 2016 عدد رقم 116

وضع التدخل الروسي الجوي في 30 أيلول الماضي، سوريا أمام معادلة عسكرية- سياسية جديدة مختلفة عن تلك التي سادت منذ 2011، والتي كانت اليد العليا فيها للمعارضة على اختلاف مشاربها وللدول الداعمة لها. والتدخل الروسي الذي لم يكن وارداً في حسابات الغرب وتركيا ودول الخليج، أربك واشنطن وغيرها من داعمي المعارضة ودفعهم الى تغيير خططهم، بعدما كانوا يعتقدون أنهم باتوا  قاب قوسين أو أدنى من الحسم العسكري ضد النظام.

ووجد هؤلاء أنفسهم مجبرين على إعادة القبول بالحل السياسي، والقبول بإنشاء “مجموعة الدعم الدولية لسوريا” التي باتت ايران عضواً فيها، بعدما استُبعدت في الأعوام الأخيرة من كل الاجتماعات الدولية التي عقدت من أجل سوريا. ثم كانت اجتماعات “فيينا 1″ وفيينا 2” ونيويورك، لتوصل الى القرار 2254 الذي نسف في صياغته بيان “جنيف1” الذي فسرته المعارضة وداعميها بأنه ينص على انتقال سياسي لا غير، بينما القرار 2254 كان واضحاً لجهة عدم احتوائه على أي بند يتناول الانتقال السياسي، ويتحدث عن حكومة وحدة وطنية موسعة ولا يأتي على ذكر مصير الرئيس بشار الأسد.

 

تغيير المعادلات

لقد كان القرار 2254 أول ثمار المعادلة السياسية – العسكرية التي أرساها التدخل الجوي الروسي ضد الارهاب. ثم أعقبه تحرك الميدان في غير ما تشتهي المعارضة وداعميها، إذ انتقل الجيش السوري تحت الغطاء الجوي الروسي من الدفاع الى الهجوم للمرة الأولى، بعد نحو عام من التراجعات، بفعل السلاح النوعي الذي حصلت عليه قوى المعارضة وخصوصاً صواريخ “تاو” الأميركية المضادة للدروع التي أثبتت فاعليتها في معارك إدلب التي حسمتها “النصرة” لمصلحتها، وكذلك في معارك الجنوب التي وصلت الى مشارف السويداء، بعدما سيطرت على مساحات كبيرة من محافظة درعا، والى الشرق من درعا بات معظم محافظة القنيطرة تحت سيطرة “النصرة” والفصائل الأخرى المدعومة من اسرائيل.

وأتى الغطاء الجوي الروسي ليقلب معادلة الميدان، ويفرض في السياسة ما لم يكن مقبولاً في الأعوام الخمسة الأخيرة من الحرب السورية. وفي ظل الوقائع الجديدة التي فرضها التدخل الجوي الروسي، انطلقت الولايات المتحدة ومعها فرنسا وبريطانيا وتركيا ودول الخليج العربية، في حملة لتشويه هذا التدخل، ومن قبيل ذلك القول أن 80 في المئة من الغارات  الروسية ليست موجهة ضد “داعش” وانما تستهدف فصائل تقاتل النظام السوري، وكانت حققت في الأعوام الأخيرة تقدماً واسعاً على الأرض، مثل “الجيش السوري الحر” و”جيش الاسلام” و”حركة أحرار الشام  الاسلامية”، الى غيرها من التنظيمات التي تتمتع بتسليح وتمويل غربي وتركي وخليجي.

وفي ظل التبدل الحاصل في الميدان، علت صيحات داعمي المعارضة السورية، بعدما رأوا أن الغطاء الجوي الروسي قد أعاد تصحيح المعادلة العسكرية، وفي وقت ظنت الولايات المتحدة أن الأمور قد شارفت النهاية بالنسبة الى النظام السوري، وإن ظلت تقول في العلن إنها تخشى أن يكون البديل من النظام “داعش” أو “جبهة النصرة”، نظراً الى أن هذين التنظيمين الإرهابيين يسيطران على أكثر من 70 في المئة من الأراضي الخارجة عن سيطرة النظام.

ولعل أحد الأسباب الرئيسية الذي دفع موسكو الى اتخاذ قرار التدخل العسكري في سوريا، كان الخشية من أن يسيطر الجهاديون على دمشق، وأن يتخذوا من الأراضي السورية منطلقاً الى شن عمليات ضد دول أخرى، وبينها روسيا بالذات التي خاضت حرباً مريرة مع الجهاديين في التسعينات في الشيشان وداغستان. وبما أن سوريا قريبة نسبياً من الحدود الجنوبية لروسيا، فإن الرئيس فلاديمير بوتين اتخذ قرار التدخل من منطلق حماية المصالح القومية لبلاده في شرق المتوسط، خصوصاً أن موسكو كانت خسرت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي الكثير من مناطق النفوذ في الشرق الأوسط.

وعلى رغم أن الولايات المتحدة كانت تدعي الخشية من سيطرة الجهاديين على سوريا، فإنها كانت تعتبر أن إسقاط الرئيس الأسد يساعد في محاربة الارهاب على أساس أن الجهاديين يتخذون منه ذريعة لتجنيد قواهم من أنحاء العالم، والمجيء الى سوريا لمحاربته. أما روسيا، فإنها ترى أن الأسد شريك في محاربة الارهاب وليس “المغناطيس” الذي يجذب الارهابيين من العالم، وفق الوصف الاميركي. واكثر من مرة ذكَرت موسكو واشنطن بأن الأسد كان شريكاً في تنفيذ اتفاق نزع السلاح الكيميائي السوري، ولذلك فإن أميركا تعتمد ازدواجية في المعايير لدى تعاطيها مع الأزمة السورية.

لكن حقيقة الموقف الأميركي قائمة فعلياً على أن إسقاط الأسد، من شأنه إحداث تغيير جيوسياسي في سوريا وينقل هذا البلد من محور الى محور، كما أن من شأنه أن يحرم روسيا من آخر موطيء قدم لها في شرق المتوسط، فضلاً عن أنه يوجه ضربة استراتجية الى إيران التي ستخسر نفوذها في المنطقة، لأن التغيير السياسي في سوريا من شأنه تحجيم النفوذ الايراني في المنطقة، والتأثير سلباً على “حزب الله” اللبناني، وتالياً على النفوذ الايراني في العراق. وهذا ما عملت له أميركا وحلفاؤها منذ خمسة أعوام، لأنهم يدركون ما تشكله سوريا من موقع في السياسة وفي الجغرافيا.

ومن هنا كانت خيبة الأمل الأميركية كبيرة من الدور العسكري الروسي في سوريا، وكأن واشنطن ومعاهد الأبحاث والتخطيط لديها لم تكن تتوقع أن تدخل موسكو الحرب الى جانب دمشق. وليست أميركا وحدها التي أصيبت بخيبة الأمل بل أن تركيا ودول الخليج، شعرت هي الأخرى أن رهاناتها مدى الأعوام الخمسة الأخيرة مهددة بالضياع، وكذلك كل ما استثمرته في قوى جهادية وغير جهادية لإسقاط النظام في سوريا، قد تبخّرت مع الغارة الأولى التي شنتها مقاتلات السوخوي الروسية.

“قلب الاوضاع”

نظرة سريعة على الانجازات التي حققها الجيش السوري منذ توافر الغطاء الجوي الروسي، تُظهر الفارق الذي حصل في الميدان. ولم يجانب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الحقيقة، عندما قال إن التدخل الروسي “قلب الأوضاع” في سوريا:

وبالتسلسل الزمني منذ 30 أيلول، حقق الجيش السوري أول انتصار مهم في مواجهة “داعش”، عبر كسره الحصار المفروض على مطار كويرس القريب من حلب منذ أكثر من ثلاثة أعوام. واستعاد الجيش السوري بلدة الحاضر في ريف حلب الجنوبي  على مسافة 10 كلم من الطريق الدولية. وكانت البلدة أبرز معاقل الفصائل المقاتلة والاسلامية ولاسيما منها  “جبهة النصرة”.

وفي 25 كانون الأول، خسر “جيش الاسلام” أبرز الفصائل الاسلامية في منطقة دمشق، قائده زهران علوش في غارة جوية سورية.   ويسيطر هذا الفصيل المدعوم من السعودية، على الجزء الأكبر من ضاحية دمشق الشرقية التي يقصفها الجيش السوري والطيران الروسي بشكل متواصل.

الى ذلك ، سيطرت القوات السورية على بلدة سلمى المعقل الرئيسي للمجموعات المسلحة في محافظة اللاذقية.  وكانت البلدة الواقعة في جبل الأكراد، خضعت لسيطرة الفصائل الاسلامية في تموز  2012. وقد تحولت مقر قيادة للاسلاميين و”جبهة النصرة”. تبع ذلك استعادة  القوات السورية بلدة ربيعة، آخر معاقل المقاتلين في محافظة اللاذقية.

وبدعم من الطيران الروسي، تمكن الجيش السوري من السيطرة على بلدة الشيخ مسكين في محافظة درعا. والبلدة مفترق طرق استراتيجي يؤدي شمالاً الى دمشق وشرقاً الى مدينة السويداء، على رغم أن غالبية محافظة درعا لا تزال في أيدي المعارضة.

ثم تمكن الجيش السوري من تضييق الخناق على المقاتلين في مدينة حلب، بعد قطع طريق الإمداد الرئيسية، وكسر الحصار المفروض على  بلدتي نبل والزهراء المحاصرتين منذ نحو أربعة أعوام،  والانطلاق بعد ذلك للسيطرة على بلدتي رتيان وماير الاستراتجيتين، والتوجه نحو تل رفعت والاقتراب أكثر من الحدود التركية، فيما وصل الجيش السوري في ريف حلب الشرقي الى تخوم مدينة الباب، معقل “داعش” في الريف الحلبي.

ولخصت مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان هدف الجيش من العمليات العسكرية الجارية في شمال البلاد، بأنه لتأمين الحدود مع تركيا، وإعادة بسط سيطرته على مدينة حلب، مضيفة أنها لا تتوقع نجاح الجهود الديبلوماسية ما دامت هناك دول “تدعم الإرهاب في سوريا”.

ومن شأن استكمال الخطوات العسكرية للجيش السوري، أن يتمكن في الأسابيع والأشهر المقبلة، من العودة الى إدلب وطرد “جيش الفتح” – الذي تعتبر “النصرة” أبرز مكوناته – من سهل الغاب في حماة.  بينما تبدو الرقة “عاصمة” الارهاب، هدفاً غير بعيد عن متناول الجيش السوري.

متاهة “جنيف3”   

وفي ظل التبدل الحاصل في الميدان، سعى المبعوث الخاص للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا الى عقد مفاوضات “جنيف3″ في 25 كانون الثاني، لبدء العملية السياسية في سوريا التي تحددت في قرار مجلس الامن الرقم 2254، ومنها إجراء مفاوضات سورية-سورية برعاية أممية، تفضي الى حكومة موسعة في غضون ستة أشهر، على أن تعمل هذه الحكومة على وضع دستور جديد للبلاد، ويجري التحضير بعد ذلك لانتخابات نيابية ورئاسية في غضون 18 شهراً. وفيما أرسلت الحكومة السورية وفدها برئاسة المندوب الدائم في الامم المتحدة السفير بشار الجعفري، سرت خلافات قوية بين أطراف المعارضة السورية والدول الداعمة، على من يجب أن يمثل المعارضة. وأخيراً اتفق على إرسال ما بات يعرف بـ”وفد الرياض” الى جنيف لإجراء مشاورات مع دي ميستورا، وليس من أجل التفاوض مع وفد دمشق، لأن الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر المعارضة الذي عقد في الرياض في 8 كانون الاول برئاسة رياض حجاب، اشترطت قبل الدخول في المفاوضات أن يتوقف القصف الروسي ويُرفع الحصار عن المدن، ويجري إطلاق المعتقلين السياسيين. وهي شروط استاء منها حتى وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي اضطر الى تذكير المعارضة السورية الموالية للسعودية وقطر وتركيا، بأن “جنيف3” يشكل “فرصة تاريخية” يجب اغتنامها من أجل إيجاد حل للأزمة السورية.

إلا أن النصيحة الاميركية، لم تلق آذاناً صاغية لدى “وفد الرياض” الذي ظل يتمسك بشروطه المسبقة للدخول الى قاعة المفاوضات. ثم جاء التطور الميداني الذي تمثل بفك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء، ليشكل ذريعة لـ”وفد الرياض” كي يعود من جنيف وينهي حواراً لم يبدأ في الأصل!

ولم تنته متاعب المعارضة السورية عند هذا الحد، بل إن “وفد الرياض” كان يشترط أيضاً أن يكون هو المحاور الوحيد في القاعة، في خطوة تستهدف معارضين سوريين آخرين باتوا يعرفون بالمعارضة العلمانية، وأبرز وجوههم الرئيس المشارك لـ”مجلس سوريا الديموقراطية” هيثم المناع، ورئيس حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي صالح مسلم، والمعارض قدري جميل. ووضعت أنقرة فيتو على مشاركة الاتحاد الديموقراطي الكردي الجناح السياسي لـ”وحدات حماية الشعب” الكردية التي تلعب دوراً واسعاً في قتال “داعش” في الحسكة والرقة وحلب. وتعتبر تركيا حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي النسخة السورية لـ”حزب العمال الكردستاني” الذي تقاتله في جنوب شرق تركيا وشمال العراق. وعلى رغم أن واشنطن تدعم “وحدات حماية الشعب الكردية”، فإنها نزلت عند رغبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عدم توجيه دعوة الى صالح مسلم لحضور المحادثات، بينما عملت روسيا على حل وسط يتمثل في أن توجه الدعوة الى مسلم عند انعقاد الجولة الثانية من “جنيف3”.

“التدخل البري”  ليس حلاً

وبعد إخفاق “جنيف3″، ومع الانهيار السريع لمجموعات المعارضة السورية في ريف اللاذقية الشمالي وأرياف حلب، أطلقت السعودية بلسان وزير خارجيتها عادل الجبير، دعوة الى “تدخل بري” في سوريا للائتلاف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ صيف 2014 ضد “داعش”. وفي خطوات عملية نحو مثل هذا التدخل، أجرت مناورات شارك فيها أكثر من 150 ألف جندي في شمال المملكة، بينهم مصريون وسودانيون وإماراتيون، تحت الاسم الرمزي “رعد الشمال”. وبدأت التكهنات تسري عن عزم سعودي لإرسال قوات برية الى سوريا لمقاتلة “داعش”، بينما الهدف في الواقع هو أوسع من ذلك، ويتمثل في إنقاذ المعارضة السورية والعمل على إسقاط النظام السوري عسكرياً، طالما تعذر إسقاطه في السياسة. وهذا هدف طالما ردده الجبير. وسعت الولايات المتحدة الى ملاقاة الاقتراح السعودي، من خلال العودة الى ممارسة الضغوط على روسيا لوقف النار في سوريا، أو ستكون أميركا مضطرة الى درس خيارات أخرى بينها التدخل العسكري.

لكن السيناريوات التي بدأت ترسم لـ”التدخل البري” بدت كأنها غير قابلة للتحقق على أرض الواقع، من دون إثارة حرب أوسع نطاقاً في سوريا والمنطقة. وأول العقبات التي تعترض تدخلاً برياً سعودياً أو تدخلاً من التحالف الاسلامي الذي أعلنه ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قبل أشهر، هو الوجود الروسي في سوريا. وحملت دعوات التدخل البري والعودة الى البحث في الخيارات العسكرية لحل الأزمة السورية لافروف، على التحذير من أن بعض الدول لا تزال تراهن على الخيار العسكري لحل الأزمة في سوريا. وأبلغ من كلام لافروف كان أمر بوتين بإجراء تدريبات مفاجئة للجيش الروسي في جنوب روسيا، بالتزامن مع تدريبات “رعد الشمال” السعودية . وفي ذلك رسالة روسية تحمل مدلولات لا تحمل الكثير من التأويل والتفسير، فهي تحذير صريح من أن روسيا لن تسكت عن أي محاولة لتوغل بري في سوريا.

وهذا التحذير يضع أميركا مجدداً أمام خيار العودة الى التفاوض مع موسكو، من أجل البحث عن مخارج سياسية للأزمة. لكن من المؤكد أن عقارب الساعة لن تعود الى قبل 30 أيلول. وكما نجحت روسيا في تحييد أنقرة نسبياً عن التدخل المباشر في الحرب السورية، عقب الإنذار الذي وجهته موسكو اليها عقب إسقاط سلاح الجو التركي لمقاتلة “سوخوي-24” روسية فوق جبال اللاذقية، فإن روسيا قادرة على استيعاب المحاولات الجديدة المبذولة، لأخذ الأمور نحو حرب شاملة في المنطقة، إنطلاقاً من الساحة السورية، وكأنه لا يكفي العالم العربي حرائق من ليبيا الى اليمن.

إن الرهان مجدداً على الحلول العسكرية لن يوصل إلا الى تعميق الأزمات وإهراق مزيد من الدماء بلا طائل. والتلويح بحروب جديدة، لن يقي سوريا الويلات التي تعانيها منذ خمسة أعوام، بل سيزيد في معاناتها وانتقال اللهيب الى أماكن أخرى. وفي كل الأحوال، تقف سوريا أمام عام حاسم  في مسار حربها الطويلة.