نشر يوم: الإثنين, 2016-06-27 الساعة 1:21 مساءً

التداوي بالأعشاب ملجأ الهاربين من الواقع.. الطب البديل حرفة تدر أموالاً هائلة لمحترفيها

عطارة

عطار

 

 

نبال الشاعر – الحقيقة

مجلة الحقيقة الشهرية 1 آذار 2016 عدد رقم 116

على الرغم من التقدم الهائل الذي وصلت إليه البشرية والانطلاقة التي أحرزها الإنسان حضاريا فانه لمن المؤسف حقا أننا مازلنا نرى أناساً كثيرون يطرقون أبواب العطارين ويفضلون المداواة بالأعشاب وذلك بغية العلاج السريع والمبلسم لأمراضهم, فالطب البديل ومعه التنجيم دخلا حياتنا وفرضا نفسيهما علينا  حتى أصبحتا هاتين المهنتين ملجأ للهاربين من واقع متأزم يغص بالآلام والأوجاع والمشاكل, عالم طريقه معادلة الربح المادي السريع وأبطاله هم مجموعة من متقمصي الطب والعلاج الروحاني وضحاياه أناس بسطاء استسلموا لأفكار غير علمية …أناس مظلومون يائسون فقدوا الأمل من مرضهم المستعصي , إذا وبكل صراحة نقول أن عيادات الطب البديل المزيفة وبيوت المنجمين باتت مهنة عنوانها الأول التلاعب بعقول الناس البسطاء وهي أسلوب من أساليب الربح فقط ولكن للأسف الشديد أصبحت هذه الظاهرة تلقي رواجا وإقبالا شديدين .

محال العطارين تغص بالمراجعين :

لمعرفة ما يدور داخل محال العطارة وفي عيادات الطب البديل كان لمجلة الحقيقة جولة ميدانية فكانت جولة مسلية ومؤلمة في الوقت نفسه فالزائر لمحال العطارة سيراها تغص بعشرات المراجعين الباحثين عن خلطة عشبية تسكن ألامهم وأوجاعهم وعن وصفة تجلب لهم الحظ والعريس إذ قال لنا أحد أصحاب هذه المحال العطار وليد حميدي :هناك بالفعل إقبال كبير من قبل المواطنين ولا سيما هذه الأيام على شراء الأعشاب والخلطات العلاجية والهدف من ذلك هو المداواة وبلسمة الجراح فمعظم الزبائن إن لم نقل جميعهم طالبي لخلطة عشبية لأوجاع المفاصل والشقيقة والقرحة ورمد العين والسعلة  كالبابونج _الحرمل _إكليل الجبل _القصعين_العناب الشيح وقطع الوصل ,إضافة للحصول على وصفات تحت بند الشعوذة والتنجيم فمن الإعشاب المطلوبة لذلك الزعفران _ماء الورد وغيرها الكثير من المواد ,والنقطة المهمة والتي لم يغفلها صاحب هذا المحل وهذا ما رأيناه بأم أعيننا أن 90% من المراجعين لهذا المحل يحملون وصفات ورقية عادية مكتوب بداخلها فقط اسم العشبة المطلوبة وعندما تقدمنا من إحدى المراجعات (أم أيمن)قالت أن هذه الوصفة تم نقلها من مواقع النت وأخرى قالت لنا إن وصفتها قام بكتابتها أحد المعالجين بالطب العربي

وأيضا بعضهم يحملون وصفات سبق وان قامت بكتابتها الجدات , وعند سؤالنا لهم لماذا الإقبال على محال العطارة والمداواة بالأعشاب فكان جوابهم وبالإجماع أن الطب البديل أو طب الأعشاب متجذر فينا منذ القدم وبات بالنسبة لنا بمنزلة الأمل العلاجي الوحيد أمامنا ولا سيما بعد أن تقطعت فينا السبل بعيادات الأطباء والنقطة الثانية الأعشاب خالية من المواد الكيميائية فتعاطيها ان لم ينفع لا يضر أبدا

وبعد محل العطارة انتقلنا بجولتنا إلى السيد خالد أبو عسلي الذي بعلاج الغدد والمفاصل والقلب والمعدة بالأعشاب والزيوت حيث قال : لقد دعمت مهنتي هذه بالعلم والدراسة وهناك حالات كثيرة قمت بعلاجها وقد تم الشفاء منها تماما مضيفا أن استخلاص الدواء لا يتم بشكل عشوائي بل بناء على مقادير وأسس علمية وهناك تعاون بيني وبين عدد من الأطباء ولا سيما فيما يخص بعض الدواء المستخلص وأن معظم الأدوية يتم استيرادها من الخارج كالهند والعراق وغيرها لعدم توافر أعشابها هنا , وعند سؤالنا له منذ متى تمارس هذه المهنة قال: أمارسها منذ عدة سنوات وعي إقبال كبير وأغلب الذين يأتون إلي مقتنعون بكلامي واني ساعدت كثيرين ووجدت لهم حلولا مناسبة لمعاناتهم المرضية, هذا والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يعقل أن يبقى هؤلاء الأشخاص مستمرون بعملهم الطبي هذا بعيدا عن أعين الرقابة الصحية والطبية ولا سيما أنهم يطلبون أجورا عالية جدا بحجة غلاء الزيوت الكبير ولا يملكون شهادات علمية تخولهم بممارسة هذه المهنة المتعلقة بحياة المواطنين .

أحد المعالجين بالطب العربي  وهو المجبر العربي فوزي مكارم الذي أخبرنا أن مهنة الطب العربي مهنة متجذرة منذ القدم وقد عرفها ومارسها آباؤنا وأجدادنا وبرعوا في استخدامها وقد كانت خير وسيلة للعلاج وبالنسبة لمهنتي بدأت أمارسها منذ سبعينات القرن الماضي وقد ورثتها عن أبي إلا أنني دعمتها بالعلم والمعرفة والدراسة وهذا العنصر الأساسي بالطب الشعبي حتى أصبحت هذه المهنة قطعة مني واستطعت خلال مسيرتي الطبية الشعبية هذه أن أحقق الكثير من النجاحات حيث قمت بتجبير أكر من 150 ألف مريض كسر عظم ولدي أسماؤهم أما بالنسبة للمواد الداخلة في تجبير الكسور كلها مواد طبيعية كالزيوت المستخلصة من أعشاب المنطقة ,ونحن بدورنا نقول إن هناك الكثير من أغلاط هؤلاء أثناء تجبيرهم للكسور لعدم استخدام صور أشعة وخاصة الحالات التي تحتاج عمليات جراحية ووضع أسياخ ضمن العظم وغير ذلك ولكن كل ذلك يعود لقناعة الناس بالطب العربي .

رزق المهابيل على المجانين

كل الذين التقينا هم بجولتنا الميدانية  هذه اكدر لنا أنهم على اقتناع تام بما قاله لهم هؤلاء المعالجون فهذه مثلا سلوى تقول أنها كانت تعاني من الام في العمود الفقري أي ديسك وحالتها تحسنت وشفيت تماما وهذا أيضا فادي يقول أن الزيوت الطبيعية التي وصفها لي المجبر العربي قد خففت من آلامي التي كنت أعاني منها ولا سيما أنني كنت أعاني من آلام بالظهر ولم أترك عيادة طبيب إلا وكنت لها مراجعا ومع ذلك لم استفد و هناك حكايات و روايات لا تعد ولا تحصى يمكن تدوينها وتسجيلها في هذه المحال العلاجية والمضحك في الأمر أن هؤلاء المعالجين ينصحونك  بالذهاب إلى المنجمين ومحال العطارة فتبدو هذه القصص مثيرة للضحك

ماذا يقول الطب:

أما الدكتور كمال عامر نقيب أطباء السويداء فقد كان رأيه بأننا نؤمن بالطب البديل أي الطب المبني على أسس علمية متينة وليس الطب الممارس عشوائيا والمبني على هدف تجاري وربحي مضيفا أن مديرية الصحة بالسويداء لم تمنح أي ترخيص لهؤلاء الأشخاص لممارسة مهنتهم هذه وقد سبق لنقابة الأطباء وأن قامت بإغلاق عدد من عيادات هؤلاء لأن ممارستها مخالفة للأنظمة والقوانين لذلك نحن كنقابة نتمنى إبلاغنا عن أي شخص يعالج الأشخاص في منزله متسائلا كيف لهذا المعالج أن يوصف دواء دون المرور بمرحلة تشخيص المرض فالمرض يحتاج إلى تشخيص وتقدير وتحليل للوقوف على نوعه عندها يتم وصف العلاج مشيرا إلى أن هناك أعشاب حاصلة  على تراخيص نظامية وتباع في الصيدليات وهذه مجربة وتباع ضمن وصفات طبية ممهورة بموافقات أصولية وهي الأعشاب المراقبة من وزارة الصحة .

ماذا يقول العلم:

وعن أسباب لجوء البعض لعيادات الطب البديل ومحال العطارة قالت المرشدة الاجتماعية عهد العماطوري الطب البديل بات ينتشر بشكل واسع هذه الأيام والسبب في ذلك هو الإشاعة فمثلا شفاء أحد الأشخاص  عند هؤلاء يجعل المرضى  يتوجهون إلى عيادات الطب البديل من خلال تناقل الحديث فيما بينهم والسبب الآخر أن الدواء الكيميائي والذي يتم بيعه في الصيدليات بات ذو فعالية قليلة جراء الأزمة العاصفة في البلاد والحضر الاقتصادي المفروض مما دفع المواطنين للتوجه إلى الطب البديل , والنقطة الثانية غلاء أسعار الأدوية وعدم قدرة المراجعين على شرائها مقارنة بدواء الأعشاب إذا فهذه الظاهرة تستوجب الدراسة المعمقة نظرا لأثارها السلبية التي تتركها على الفرد والمجتمع فالشفاء من الأمراض يدفع عدد كبير من الأشخاص المرضى لطرق أبواب العطارين ومدعي الطب وهذا ما هو إلا ضرب من ضروب الدجل , ومن الأسباب الأخرى التي تدفع الناس للتوجه للطب البديل أولا البيئة التي نشأ بها الإنسان فمن ينشأ ببيئة ريفية يكبر مع قصص الوهم والخيال والجان والعفاريت وقدرة البعض من هؤلاء من معرفة المرض وتخليص المريض منه وأحيانا يفضل الناس مراجعة هؤلاء لاعتقادهم أنهم قادرون على فك السحر لكون المرض من السحر ,إضافة لذلك الاحباطات التي يعانيها الإنسان خلال حياته وهذا ما يفسر انتشار المنجمين بين الفقراء وكذلك خوف البنت من العنوسة وعدم الزواج  والخلافات الزوجية  تعد سببا رئيسيا لمراجعة المنجمين .

ولكن السبب الأهم من كل ذلك هو التخلف والجهل وقلة التوعية فنحن لدينا ألاف الخريجين من معاهد الخدمة الاجتماعية وكلية التربية وعلم النفس ومعظمهم بلا عمل فلماذا لا يتم افتتاح مراكز استشارية لهم وهنا سيتم إنقاذ الكثير من الأسر من أكاذيب الدجالين والمشعوذين , فالمسألة المهمة هي اعتماد ممتهني مهنة الطب البديل على جذب  الزبائن عن طريق الدعاية والإعلان الشعبي والقدرة على الاقناع ولاسيما أن أكثر المراجعين لهؤلاء يعانون من أمراض نفسية أكثر ما هي أمراض جسدية واختتمت العماطوري بأن التوجه نحو الطب البديل هو سلوك خاطئ وعلينا تشجيع الطب البديل القائم على قواعد وأصول علمية ويبقى الطب التقليدي العلمي هو خير علاج للإنسان .

كلمة أخيرة

أخيرا لابد لنا أن نسلم بالواقع ونقول أن مهنة المداواة بالأعشاب وغيرها باتت بمنزلة الأمر الواقع الذي لا مفر منه ولا سيما بعد أن أصبح لهذه العيادات روادها الدائمين وباتوا يعدونها الملجأ الوحيد لعلاجهم حسب اعتقاداتهم وهذا بكل صراحة ما عزز انتشار هذه الظاهرة بشكل واسع على ساحة المحافظة وهنا نقول أنه ما دام الطب البديل قد دخل بيوتنا دون استئذان فقد بات من الضروري تطعيمه بالعلم والمعرفة ومنح القائمين عليه تراخيص نظامية ولا سيما أن نقابة الأطباء اعترفت بهذا الطب وهذا يقودنا لشيء مهم وهو وضع الأسس العلمية لهذا الطب والسير به للطريق الصحيح تحت إشراف الجهات الطبية .